أبي طالب المكي

208

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

موتا . فدبر خلافتهم على ما علم من آجالهم ، ووفى لهم بما وعدهم من استخلافهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم من خلائف أنبيائه السوالف ، ومكَّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وبدلهم أمناء بعد خوفهم . كما قال الصادق فيما عهد . ومن أوفى بعهده من الله . فذلك تأويل قوله عزّ وجلّ : * ( وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ ) * [ النور : 55 ] الآية . وأن يعتقد أنّ الإمامة في قريش خاصة دون سائر العرب كافة إلى يوم القيامة ، وأن لا يخرج على الأئمة بالسيف ، ويصبر على جورهم إن كان منهم ، ويشكر على المعروف والعدل ، ويطيع إذا أمر بالتقوى والبر حتى تأتيه يد خاطئة أو منية قاضية . كذلك السنّة . قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله تعالى : هذه الأمة ثلاث وسبعون فرقة : اثنتان وسبعون هالكة ، كلَّهم يبغض السلطان ، والناجية هذه الواحدة التي مع السلطان . وسئل أي الناس خير ؟ فقال : السلطان . قيل : كنا نرى أنّ شرّ الناس السلطان . فقال : مهلا إن الله تعالى في كل يوم نظرتين ، نظرة إلى سلامة أموال المسلمين ودمائهم ، ونظرة إلى سلامة أفكارهم ، فيطلع في صحيفته فيغفر له ذنوبه . وقال أبو محمد الخليفة إذا كان غير صالح فهو من الأبدال ، وإذا كان صالحا فهو القطب الذي تدور عليه الدنيا . قوله من الأبدال يعني أبدال الملك . كما حدثنا عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال : أبدال الدنيا سبعة ، على مقاديرهم يكون الناس في كل زمان من العباد ، والعلماء ، والتجار ، والخليفة ، وزير ، وأمير الجيش ، وصاحب الشرطة ، والقاضي وشهوده . روينا في الخبر : عدل ساعة من إمام عادل خير من عبادة ستين سنة . ويقال : إن الإمام العادل يوضع في ميزانه جميع أعمال رعيته . وكان عمرو بن العاص يقول : إمام غشوم خير من فتنة تدوم . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : يكون عليكم أمراء يفسدون وما يصلح الله تعالى بهم أكثر ، فإن أحسنوا فلهم الأجر وعليكم الشكر ، وإن أساؤا فعليهم الوزر وعليكم الصبر . وفي الخبر الآخر . يليكم أمراء يقولون ما لا يعرفوه ويفعلون ما ينكرون . وفي لفظ يفعلون ما لم يؤمروا ، قلنا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ما صلَّوا . وفي الحديث الآخر : ما أقاموا الصلاة . وكان سهل رحمه الله تعالى يقول : من أنكر إمامة لسلطان فهو زنديق ، ومن دعاه السلطان فلم يجب فهو مبتدع ، ومن أتاه من غير دعوة فهو جاهل . وكان يقول : الخشيبات السود المعلقة على أبوابهم أنفع للمسلمين من سبعين قاضيا يقضون في المسجد . وقد كان أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول : إذا كان السلطان صالحا فهو خير من صالحيّ الأمة ، وإذا كان فاسقا فصالحو الأمة خير منه ، وهذا قول عدل . ولا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن عظم ، ولا ينزله جنة ولا نارا بل